الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

99

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

همزات الشياطين منهم . والهمز حقيقته : الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه ، ويستعمل مجازا بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة ، ومنه قوله تعالى : هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [ القلم : 11 ] وقوله : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [ الهمزة : 1 ] . ومحمله هنا عندي على المعنى المجازي على كلا الوجهين في المراد من الشياطين . وهمز شياطين الجن ظاهر ، وأما همز شياطين الإنس فقد كان من أذى المشركين النبي صلى اللّه عليه وسلّم لمزه والتغامز عليه والكيد له . ومعنى التعوذ من همزهم : التعوذ من آثار ذلك . فإن من ذلك أن يغمزوا بعض سفهائهم إغراء لهم بأذاه ، كما وقع في قصة إغرائهم من أتى بسلا جزور فألقاه على النبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو في صلاته حول الكعبة . وهذا الوجه في تفسير الشياطين هو الأليق بالغاية في قوله حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [ المؤمنون : 99 ] كما سيأتي . وأما قوله : وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ فهو تعوذ من قربهم لأنهم إذا اقتربوا منه لحقه أذاهم . [ 99 ، 100 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 99 إلى 100 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 100 ) حَتَّى ابتدائية وقد علمت مفادها غير مرة ، وتقدمت في سورة الأنبياء . ولا تفيد أن مضمون ما قبلها مغيّا بها فلا حاجة إلى تعليق ( حتى ) ب يَصِفُونَ [ المؤمنون : 91 ] . والوجه أن ( حتى ) متصلة بقوله وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ [ المؤمنون : 95 ] . فهذا انتقال إلى وصف ما يلقون من العذاب في الآخرة بعد أن ذكر عذابهم في الدنيا فيكون قوله هنا حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ وصفا أنفا لعذابهم في الآخرة . وهو الذي رجحنا به أن يكون ما سبق ذكره من العذاب ثلاث مرات عذابا في الدنيا لا في الآخرة . فإن حملت العذاب السابق الذكر على عذاب الآخرة كان ذلك إجمالا وكان قوله حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ إلى آخره تفصيلا له . وضمائر الغيبة عائدة إلى ما عادت عليه الضمائر السابقة من قوله قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ المؤمنون : 82 ] إلى ما هنا وليست عائدة إلى الشياطين .